لطخوا ثيابكم بأصباغ حلوى أطفالكم
العيد في ثلاثية خالد الجريوي.. جنة أيامنا ومحطة طاقة أفراحنا وصباحات زاهية في ركام الذاكرة العتيق
خالد الجريوي

الساعة 11:38 مساءاً (مصطفى غليس)

يمنحنا العيد فرصًا كثيرة ومسارات متعددة لتقويم حياتنا، فهو لدى معظم البشر مسار سنوي للبهجة وموسم للفرحة التي قد لا تظن بها باقي الأيام، وهو فرصة للتسامح ومراجعة الذات، وهو قبل هذه وتلك التزام بصلة الرحم وذوي القربى وتعزيز العلاقات بين الأسر، لكنه ذلك وأكثر عند الكاتب والأديب السعودي خالد بن إبراهيم الجريوي المولود في أبريل 1964 بمدينة الدمام.
صدر للجريوي، ثلاثة كتب هي "رفوف الحياة" و"على عتبات العمر" في 2021، و"فنار" في 2022، عن دار مدارك التي هو ناشرها، وقد حملت هذه الثلاثية في طياتها خلاصة لتجارب الكاتب وحكمته، ورؤيته للحياة من زوايا مختلفة، وعلى الرغم من أن قلبه - كما يقول في تعريفه لنفسه على غلاف أحد إصدارته- مثخن بالجراح والطعنات، ولا يكاد يلتفت إليها ربما اعتيادًا عليها أو لأنها ضريبة الحياة أو لأن عقله في صراع دائم مع قلبه، إلا أن هذه الثلاثية بنصوصها القصيرة والطويلة تضج بمعاني الحب والتسامح وتقود القارئ معها إلى مواطن الطمأنينة والبهجة.
كتب خالد بن إبراهيم الجريوي مجموعة نصوص عن الأعياد، وسنختار في هذه القراءة السريعة من كل إصدار نصًا واحدًا، نستكشف فيه سويًا براعة الكاتب في ترجمة مشاعره في هكذا مناسبات، وطقوسه، وما تضمنت من حكم وإرشادات لمن فقدوا بوصلة الفرح علهم يجدون أنفسهم وفرحتهم بين هذه النصوص العامرة بصدق النصيحة التي نثرها على صفحاته بكل حب.

الأعياد نفحة علوية تمنح الأرواح طراوة والحياة حلاوة:
في نص "فردوس الأيام" من كتاب "فنار، ص63" يقول الجريوي إن "جنة السماء فراديسها، وجنة الأرض بساتينها، وجنّة الأيام أعيادها"، و"العيد ليس سوى نفحة عُلوية هبت علينا من عِليين لتمنح الأرواح نداوة، والأيام طراوة، والحياة حلاوة"، والعيد أيضًا "مبضع جرّاح يواسي ندوب العام، ويستأصل أورام الترح، ونستعيد فيه السعد، ونجني منه الورد"، و"لولا هذه الأعياد لاعترانا جفاف الشعور، وبدا على وجوهنا شحوب الحياة، فكيف وهي أعياد أمرنا الله فيها بالفرح، ونبذ الترح"، 
ولذلك "ما زال الإنسان من قديم الأزل يتشبث بمواسم الفرح، ويبتكر منها ما يخفف عنه وطأة التعب، إنه يلوذ من عنف أيامه بحرمة أعياده، ولذا ظلت الأعياد تحافظ على مكانتها في اعتقاد البشر بمختلف مشاربهم".
يقول الجريوي في ذات النص إن "للزمان كما المكان بهجته، ولكنها بهجة تستشعرها الأرواح النقية، والقلوب الرضية، وأي بهجة تعدل بهجة الأعياد؟"، وباستفهام الداري يتساءل الجريوي أيضًا "ما العيد لولا ابتسامات الوجوه وعناق القلوب للقلوب، وغناء العيون للعيون؟!"، و"أي معنى للعيد إن لم يعد علينا وإلينا ويحط أفراحه لدينا، ونقدّم له وفيه ما يجب؟ وأي تعاسة تلك التي تحل بمن طرق العيد بابه، فلم يُحسِن وفادَتَه، وأساء ضيافته، فخرج من عنده مُقْسِما ألا يعود بالسعود؟!".

يوم هؤلاء.. الكتف بالكتف واليد باليد والشفاه على الجباه
العيد في قاموس الجريوي الذي خبر الحياة هو "يوم رسم البسمات على الوجوه المتعبة، ويوم كفكفة الدموع عن الأعين الغاصة بالدّمع، ويوم إماطة الأذى عن كل طريق يؤدّي إلى القلوب"، وهو أيضَا "يوم التراحم، وصلة الأرحام، وتفقد الأهل والأحباب".
يقول الجريوي في فنار، ص 64 وما بعدها "من كان والداه على قيد الحياة فيا سعده ويا بشراه.. فرصة أن يغمرهما بالبر والفرح ليغمراه برضًا يغمره توفيقا وطمأنينة، ويا بؤس من عق والديه أو حتى قَصَّر دون عقوق.. سيندم يوم لا ينفع الندم، وسيفوته الخير الكثير، والأجر الكبير، والرّزق الوفير. إن أحسنا إليك فقبل يديهما مرّة لأنهما أعاناك على البرّ، وإن قصرا فقبل يديها مرتين لأنهما ضاعفا لك الأجر ببرك لهما على الرغم من قليل ما قدماه لك. قدم لهما أضعاف ما تقدّمه لغيرهما ولو كانا في غنى قارون، وعفاف هارون.. يفرح الوالدان باهتمام ابنهما أكثر من فرحهما بعطاياه.. نعم يتقبلان العطايا بفرح لكنه فرح ناجم عن شعورهما باهتمام ابنهما بهما".
ويتابع "هناك أخوات لنا في كل بيت، منهنّ من كانت العزباء، ومنهنّ من كانت الأرملة، ومنهن كانت المنفصلة، تفقدوهنّ بالمحبة والطّيبة والمعاونة.. لا تنتظروا منهن السؤال فهنّ عزيزات، نفس كريمات يد رفيعات خُلق، بل بادروهن بالعطاء والحنان واعرفوا حقهن عليكم وقدرهنّ لديكم، فوالله لا عماد للبيوت من دونهنّ.. هنّ الأصول ونحن الفروع، وهنّ الجذوع ونحن الظلال، هنّ الينابيع في بيد الظمأ، والأغاريد في دنيا الصَّخَب".
ولا ينسى خالد الجريوي أن "ثمة إخوة لنا بين ظهرانينا تؤلمهم الحياة، وتكدر صفوهم إما بعوز أو فقد.. هذا اليوم يومهم، يوم السؤال عن أحوالهم.. يوم تفقد المحتاج منهم ومساندة من مالت به الظروف يوم الكتف بالكتف، واليد باليد، والشفاه على الجباه".
ولا يُقصر الجريوي مسألة الإحسان في هكذا يوم، أو غيره من الأيام، على الأهل والأرحام والأقارب، فهو يحثكم على أن "تفكروا بدور الأيتام والمسنين، تفقدوا من تقطعت بهم السبل، خذوا من زينة الدنيا ما يبهج صدورهم، ويخفّف عنهم، ويفتح أفئدتهم المغلقة، انشروا الفرحة هناك على قدر ما تستطيعون، واستشعروا نعمة الله عليكم فوالله لا نُرحم إلا بهم.
اجعلوا العيد صفحةً بيضاء ناصعة.. ابتسموا في وجوه العابسين، وجودوا بالعفو على المقصرين، وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين". 

الإحسان ثم الإحسان حتى لمن تسوؤهم سعادتكم
صفحات ثلاثية أديبنا خالد بن إبراهيم الجريوي مليئة بمواضيع وأفكار كثيرة تتحدث عن الإحسان والجود وعن التسامح وعن العفة التي يراها أسمى مراتب الأخلاق، لكننا لسنا بصدد الحديث عن هكذا مكارم، وما يهمنا منها هو ما يتعلق بالعيد، حيث يضع أمامنا الجريوي جملة من النصائح العيدية، ففي كتاب رفوف الحياة ،ص189، يوجه لنا خطابًا مباشرًا لعلنا نستفيد منه ومن تجربته وحكمته "أغلقوا الصفحات الشائهة، وافتحوا الصفحات البيض... تسامحوا... اغفروا... وابتسموا في وجوه المتاعب، وقبلوا رؤوس الكبار، وانتشقوا روائح الحناء، وامسحوا على رؤوس الصغار، ولطخوا ثيابكم بأصباغ حلواهم، وأسعدوا حتى أولئك الذين تسوؤهم سعادتكم". 
وفي كتاب فنار، ص66، يدعونا لنشر الفرح على حولنا، "اجعل من العيد عيدًا لمن حولك، عيدا بوجودك وببسمتك وبحسن تعاملك وصحبتك"، لأن العيد فرصة لجبر الخواطر كما يقول في كتاب على عتبات العمر، ص202، إذ "يأبى الله إلا أن يجبر خواطرنا بأيام عيد، فبعد أن أمر أيام الرحمة بالرحيل، أمر العيد أن يحط رحاله".

صباحات عيدية زاهية في ركام الذاكرة العتيق:
في كتاب "رفوف الحياة"، يسترجع الكاتب خالد بن إبراهيم الجريوي ذكرياته العيدية الطفولية في "ومضة من عيد قديم، ص185"، ذلك لأن "ذكرياتنا جزء منا.. نحن، امتدادها، ومن تفاصيلها تشكلت أرواحنا، وما اشتدّ علينا حاضر إلا هرعنا إلى الماضي مسرعين حيث البراءة والدفء وخفيف الأعباء". ومن أعماق ذاكرته يسترجع الكاتب مشاهد باهتة الألوان ومشاهد باللونين الأبيض والأسود، ومشاهد مشوشة، ومن بين تلك المشاهد يقف الجريوي عند لقطات يصفها لنا بأنها "زاهية ناضرة في منتهى النقاء لصباحات تضج بالتكبير"، إنها التكبيرات التي يسطع بها المسلمون في صباحات كل عيد أكان فطرًا أو أضحى. وصباحات الأعياد في قاموس الجريوي هي "صباحات سماوية الرونق، ولذا ظلت زاهية في ركام الذاكرة العتيق".
يقول الجريوي "تلك الصباحات صحبناها أطفالا عاما بعد عام، وعشنا فيها نشوة الفرح، واقتبسنا منها طاقة حياة قادمة"، ويضيف "لا أعرف من بقايا الطفولة ذكرى تجمع الدنيا على عذوبتها كذكرى الأعياد، وكأن الله فرضها لما فرض الحياة، إذ لا حياة بلا فرح، ولا فرح بلا أعياد.. نكبر عاما بعد عام، وتخفت لمعة الأعياد كلما لمع بياض الشيب، وكأن الأعياد حق حصري للطفولة، وكأننا إذ كبرنا ضيوف شرف".
وحين نراه متعجبًا من الزمان الذي يجترئ على ذائقة الفرح، ويعبث بمقاييسها، نجد الكاتب وهو يتساءل "أين نشوة العيد في مذاق طفل تسعده قطعة حلوى... هذه موائد الحلويات أمامنا الآن لا تمنحنا ما كانت تمنحنا إياه كسرة حلوى تناوب عليها بضعة أطفال!". وباعتراف خاطف يؤكد كاتبنا أن "شيء في الذاكرة ينبعث من زمان قديم، فيمنح الحاضر شيئًا من الفرح، ولولا هذا الانبعاث لما استطابت كهولتنا مذاق الحياة". و"لعلها تهويمة الفرح ممزوجة بنشوة الذكرى العتيقة في صباح يعكس ضوء صباحات قديمة حيث الثياب البيض، والقلوب البيض، والوجوه المشرقة بنور الله ورحماته".

أعيادنا الأولى محطات وقود تزودنا طاقة الفرح:
"ما العيد إلا فرحة أحباب، وبسمة أصحاب، وذكريات طفولة لا تموت"، بهكذا جملة وردت في كتاب رفوف الحياة، ص189، يختصر الكاتب خالد بن إبراهيم الجريوي معنى العيد، إن أعيادنا الأولى وفقًا للكاتب ليست إلا محطات وقود تزودنا طاقة الفرح، فـ"كما تتزوّد المركبة بالوقود لتقطع رحلة طويلة، نتزود بالحياة من هذه الأعياد لنقطع دروبها الموحشة ومعنا زاد مـن فـرح".
لذلك ينصحكم الجريوي وعن تجربة وحكمة يوجه لكم خطابًا مباشرًا "قدسوا الأعياد، واملؤوها بالحبّ، وامنحوا الأطفال نصيبهم من المرح.. يا بؤس من يعبس في وجه طفل، ويا تعاسة مـن يبخل عليه بما يسعده"، وتذكروا جيدًا ما يلي "سينسي الطفل معظم تفاصيل طفولته إلا ومضات الأعياد، ستبقى خالدة كما هي الآن في ذهنك تستعصي على النسيان".
وفي كتاب فنار، ص66، يكرر الجريوي نصيحته العيدية لكل إنسان "لا تنس أن تدس في جيب كل طفل عيديّة، وقطعة حلوى فهم والله بهجة العيد، ومهما نسي الطفل بعض التفاصيل من دنياه وحكاياه فإنّه لا ينسى أبدا تلك الوجوه الباسمة التي أغدقت عليه الحبّ والحنان في هيئة حلوى، أو وريقات نقدية، أو دمية ولعبة.. كلنا عاش طفولته، ويتذكّر أعياده الأولى كما يتذكر أول يوم له في المدرسة".
والخلاصة كما يقول الجريوي في ذات النص أن "أعيادنا الأولى هي محطات الوقود التي نتَزَوَّدُ منها طاقة الفرح.. طاقة عُمر ممتدّ سنعبر بها قفار الحياة بكل مباهجها ومتاعبها". 

العيد برفقة العيد.. طقوس أعياد الجريوي:
يروي لنا الكاتب خالد بن إبراهيم الجريوي في "ومضة من عيد قديم"، كتاب "رفوف الحياة، ص185 وما بعدها"، " طقوسه العيدية، ويضعنا أمام صورة واضحة تنبض بالحب والمودة والاطمئنان وتشحن قلوبنا بفيض غامر من العاطفة الصادقة، وتشعل في جوف من يقرأها فتيل الحنين إلى تلك الأيام التي عشناها في زمن ما ويعيشها غالبية أطفالنا اليوم. دعونا نستمع لرواية الجريوي بلا تدخل منا وهو يقول:
"ابدأ عيدي بابتسامة أمي ودعواتها الحانية، خلف كل نظرة وأخرى تحتضني بدعوة، تزمّلني بها وتدثرني بطمأنينتها.. هذه الابتسامة الدافئة التي طالما كانت مهربي من أوجاع الحياة.
أعرج على أبي الملاك السارح في ألطاف الله، وعلى نظراته الشاردة، أعود بشريط ذكرياتي، حيث كان صباح العيد برفقته عيدًا آخر.. يدي في يده، بلباس العيد ونحن في القرية نسير باتجاه مصلى العيد. تلك اللحظات القصيرة التي كنت فيها أملك العالم، صغيرًا يسير نحو العيد برفقة العيد.
كنت أمطر أبي بالأسئلة، أفرط في التساؤل، أفرط في الفضول، أسأل أبي عن كلّ شيء.. عن الأشخاص، عن الأماكن، عن القرية، عن المزارع، وكان بعد كل سؤال يجيبني بجملته المعسولة: يا خویلد. كان وقع اسمي بصوت أبي على قلبي أندى من المطر، أتبلل به من الداخل، اركض في أرجاء قلبي، أشعر حينها برغبتي الشديدة بسؤال جديد، كي اسمع اسمي منه مرة أخرى، كنت صغيرا حينها لا أدرك معنى أن أبدو مملا بكثرة فضولي البريء هل كنت مملا يا أبي؟ قل لا يا خويلد، أو قل: نعم كم أنت ممل يا خويلد، لا يهم.. يهمني أن أشنف سمعي بإيقاع الزمان الأثير.
حين أعود إلى خالد القديم، أتمنى أن أصطحب من ذلك الماضي أشياء عظيمة كانت كل عيدي.. صلصلة مفاتيح أبي.. نحنحته عند الدخول.. تسبيحه وتهليله.. ابتساماته الدافئة، أحاديثه الشائقة عن تلك القرية التي كانت تسكن قلب أبي ويسكنها. 
ما أبهج الـعـيـد، وما أبهج الأطفال، وهم كاللؤلؤ المنشور بين المصلين، في مصلّى الـعـيـد أقـرأ القصص في وجوه الناس، أسبح في ملكوت الله، أتأمل رحمات الله من حولنا، هذا شيخ كبير يمسك بعصاه ويعتضد بابنه الشاب الفتي، وذاك يمسك بيد طفله الذي لم يتجاوز الأربعة أعوام، طفل ملائكي يملأ المكان بهجة، ويزرع الفرح في وجوه المصلين، وكأنها دورة الحياة.
طفل آخر يطوف على المصلين بجيب مليء بالحلوى، ويدس في يد كل واحد منا قطعة حلوى هي أثمن ما يملكه، وكأنه وهبنا الحياة.. تتخلّل هذه المشاهد تكبيرات المصلين.. ويزداد العيد دفئًا وطمأنينة وبهجة، وتتزمـل الأرواح عباءات الفرح".

الجريوي والشعر في حضرة العيد:
مثلما كان للعيد نصيب في كتابات الأديب خالد بن إبراهيم الجريوي النثرية، فإن له كذلك نصيب من شعره، ففي ص 191 من كتاب رفوف الحياة اخترنا لكم النص التالي:
ما العيد لولا لثغة من طفلة 
ودعاء والدة وبسمة والد
الذكريات تموت إن لم تسقها
بحديث أحباب ووصل أماجد
ما كان هذا العيد إلا نفحة
من نفح جنات النعيم الخالد
هو رحمة علوية قد ساقها
ربي لجمع شتاتنا المتباعد
ومن كتاب فنار للجريوي نختم هذه القراءة بدعاء جميل ورد في ص67 "اللهم أدم علينا الإسعاد ووال علينا الأعياد، واقسم لنا منها أفراحا ممتدة نتفيأ ظلالها سائر الأيام. وكل عيد وأنتم أفراحه".

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
أحدث الأخبار
الأكثر قراءة
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر