يمثل كتاب الجريمة المركبة والتجويع العنصري للكاتب والباحث العزيز همدان العليي محاولة لاقتحام واحد من أكثر الأدوات غموضاً وأشدها عنفاً وحساسية في تحليل حكم الإمامة الهاشمية في اليمن، إذ يتمثل ذلك في تحويل الجوع من نتيجة جانبية للظروف الحياتية إلى أداة إدارة سياسية للهيمنة وإعادة تشكيل المجتمع.
أعتقد أن الكتاب أهم مؤلف يمني عن الإمامة صدر في المائة العام المنصرمة، وتكمن أهميته في أنه يتجاوز السرد القصصي والحقوقي التقليدي ليعيد تعريف التجويع بوصفه بنية مركبة لا تنفصل عن منظومة الحكم الإمامي المتعاقبة من عهد الرسي وحتى عبدالملك الحوثي.
حيث تتداخل السياسة مع الاقتصاد، ويتحول الغذاء من حاجة إنسانية إلى وسيلة ضبط اجتماعي وإعادة إنتاج للولاءات، وهو ما يضع القارئ أمام فكرة مزعجة لكنها ضرورية، وهي أن الانهيار الإنساني والوطني والأخلاقي ليس عرضاً للصراعات، بل إنه يدار بعقلانية إمامية باردة داخل حسابات السيطرة.
قوة الأطروحة وعمقها لا تأتي فقط من توصيفها لواقع التاريخ الإمامي وحاضره، بل من تفكيكها لمنطق التبرير، إذ تكشف الأطروحة كيف يمكن للخطاب السياسي للإمامة أن يخفف من وقع الجريمة عبر تحويلها إلى قضاء وقدر أو ظرف حرب أو تعقيد ميداني.
وهنا يصبح كتاب الجريمة المركبة كاشفاً للكارثة، وأداة نقدية لتطبيع الكارثة، ومحاولة لإعادة الجوع إلى موقعه الأخلاقي بوصفه انتهاكاً مقصوداً لا مجرد نتيجة.
بهذا المعنى، يقدم العمل قيمة تتجاوز موضوعه المباشر، لأنه يفتح سؤالاً أكبر حول علاقة السلطة الإمامية بالحياة ذاتها: من يملك حق إبطاء أو تسريع بقاء الآخرين؟
شارك: