عادل الأحمدي
عادل الأحمدي
عن المفكر الجمهوري غائب حواس
الساعة 11:09 مساءاً

“يا أخي توسط لي.. الأستاذ غائب حظرني”.

عشرات المرات تصلني هذه الرسالة من أصدقاء عديدين منذ سنوات، وأرد عليهم بابتسامة.

أعتقد أنني أعرف جيدا الأسباب التي تدفع الأستاذ الشاعر والمفكر الجمهوري غائب حواس لاستخدام هذه الخاصية الفيسبوكية لدرجة أن أحدهم قال على سبيل الفكاهة، إن غائب لديه خمسين ألف متابع وخمسمائة ألف محظور.

منذ منتصف التسعينيات وغائب كان حاضراً يصارع ويقارع شعراً وفكراً وخطابة، محذراً من عودة مخلفات الإمامة من داخل صعدة، وعبر كل مناسبة سانحة، ثم يتنهد قائلا:

آفةُ الصوت الذى نطلقه
أنه يرجع من غير صدى

وحين يرى التساهل والتغافل يتحسر قائلا:

يا بلادي ما عسى يصنعهُ
نصفُ حرٍّ بين أنصاف عبيد

لم يكتف بذلك بل حمل بندقيته والتحم بالجبهات ولازال في كفه أثر رصاصة اخترقتها في الحرب السادسة.

استكمل الجاثوم السلالي المسلح سيطرته على صعدة، فانتقل غائب الى صنعاء، وكنت التقيته أول مرة في منزله بمديرية غمِر، في العام ٢٠٠٧، وأنا لم أسمع به من قبل.

في صنعاء تنقل غائب في منتديات الساسة ومقايل الأحزاب وظل يحذر وينبه بلا طائل. كان يحذر من موقعه كمدرك لحقيقة مشروع السلالة وكعارف لأفراد الحوثية وخلفياتهم فردا فردا.

وذات يوم في يوليو ٢٠١٣، في شارع مظلم في حواري بير العزب تعرض لمحاولة خطف استطاع الإفلات منها فأتبعه الخاطف بطلقة مسدس كسرت عظمة الفخذ، كما هو واضح بالصورة حيث زرناه عقب الحادثة أنا والأعزاء همدان العليي، د. علي الذهب، محمد الأحمدي، ورياض علي الأحمدي، ملتقط الصورة.

أخطأ الأطباء في جبر العظم فاكتسر من جديد واضطر لأربع عمليات في وقت واحد: أخذ عظم من عظمتي الحوض ونزع المسامير ثم جبر الفخذ من جديد.

بعد عامين وبينما هو واقف يغسل يديه بعد وجبة عشاء في مطعم، تكتسر العظمة ثانية.

هذا فقط مثال بسيط على ما يعانيه هذا الرمز السبتمبري منذ ٢٥ عاما.. لقد كان يعرف أن الوقت يمر بسرعة وأن الذئب يحد أسنانه لافتراس البلد فلا وقت للجدل البيزنطي، ولا وقت للتلكؤ.

يعيش غائب على أقل من الكفاف، ويرفض عطايا بملايين الريالات حتى لا يضطر لحمل الجميل على حساب كلمة الحق.

لهذا تجده يضع سهمه في نحر كل مخطئ ولو كان أقرب الناس إليه، ويمارس الحظر كنوع من التأكيد على أن المسألة أكبر وأعمق، وأن الهزل في أوان الجد أمر معيب، وله في ذلك فلسفة حرية بالتأمل وهي أنه يدخر على محبيه ردوده القاسية بإحالتهم إلى خانة المنع، لكنه ينصحنا ألا نكون مثله في هذا الجانب.

وللعلم فقد حظرني أنا أيضا يوم السادس والعشرين من سبتمبر 2016 لأنه دخل صفحتي ولم يجد شيئا عن المناسبة العظيمة، وكنت يومها في سفر.

وحيثما يسكن غائب يشتري الكتاب تلو الآخر، وتتراكم الكتب حتى لا يتبقى معه في الغرفة إلا مكان نومه.. لقد صار لديه ما يقارب مكتبة كلية الآداب بصنعاء. ولقد وعدته أن نجمع كتبه في أعظم مكتبة مفتوحة تحمل اسمه بمشيئة الله، في صنعاء.

لقد قرأت الكثير من سير الأحرار والعظماء لكنني أجد سيرة غائب حسين حواس أكثرها حرارة وتنوعاً ونكران ذات، وأدعوه أن يرفع الحظر عن كل محظوريه، فالكثير منهم اضطر لإنشاء حسابات بديلة ليتابع ما يقوله غائب.

أكاد أجزم أن الهاشميين لو كان لديهم رمز بربع قوة غائب حواس لصنعوا منه المهدي المنتظر، بينما نحن شعب لا نقدر رموزنا ولا نعطيهم حقهم.

أختتم بهذه الأبيات لزبيري المرحلة غائب حواس، قالها عام ٢٠١١، لكي تعرفوا أنه قلب وارف بالحنان، قلب يحس بفداحة الخطر، وعقل لا يكف عن البحث في مداخل الخلاص:

العَيْنُ مَـاءُ القلبِ وَالدّمْـعُ الـدّمُ
وَأنـَا أُشـَـاهِــدُ بـَيــْـتَـنـَا يـَتهَـدّمُ

تـَتـَـحـاطَـمُ الأركـانُ فــيهِ نكايةً
في بـَعـضِـهَا ولبُغـضِهَا تـتحطـمُ

تنسلُّ حيّاتُ السُّلالةِ في شُقُو
قِ جــــدارِهِ وجـــدارُهُ لا يـَعـْــلَمُ

وترى ذبابَ العنـصريّةِ تنـتشـي
فوق الجراحِ تمصُّهَا وَتُـسـَمّــــمُ

يا بيتنا اليمنَ الكَبـــــــيرَ أمَامـَنا
ووراءنا فـي السّـاحِ لَيـْـلٌ أيْهـَـمُ

عَصَفَتْ بخيمتك الرياح فـَلا هـُنا
وتـــدٌ يـُشَــدُّ ولا الزوابـعُ ترحـَـم

وشُـيُوخُها علموا وما أفتوا لها
وشَـبَابُهَا أفـتوا بمَا لـَمْ يـَعلَمُوا

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
أحدث الأخبار
الأكثر قراءة
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر