هل يمكن فصل مليشيا الحوثي عن إيران؟ (تقرير)

الساعة 01:45 صباحاً (يمن ميديا - خاص )

 

مع دخول الحرب في اليمن سنتها السادسة، دون أن تحسم من قبل أحد الأطراف، سواء القوات الحكومية المسنودة من تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية أو مليشيات الحوثي الانقلابية المدعومة من إيران، وفي ظل الانهيار المتزايد للأوضاع الانسانية والمعيشية، بدأت الضغوط الدولية لإيجاد تسوية سياسية وإن كانت لا تؤدي إلى حل جذري للأزمة.

وتنصب الضغوط في المجمل على المملكة العربية السعودية باعتبارها قائدة التحالف العربي الداعم للشرعية، ولكونها معنية بالأوضاع في اليمن التي تقع على حدودها الجنوبية، وكذا مستهدفة من الجماعة الحوثية المرتبطة عقائدياً وسياسياً بإيران العدو التاريخي للملكة واليمن.

ويوم الثلاثاء الموافق 29 أكتوبر الماضي، كشف مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، خلال جلسة استماع للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، أن بلاده تمارس ضغوطاً سياسية على السعودية بشأن اليمن، حيث قال: "نمارس ضغوطاً على حلفائنا السعوديين للتوصل إلى اتفاق سلام مع الحوثيين".

وهي ذات الفكرة التي سبق وأن كشف عنها "شينكر" في سبتمبر 2019، خلال جولة له في المنطقة، التقى خلالها بالرئيس اليمني، والقيادة السعودية، وتحدث خلالها عن محادثات سلام مباشرة تجريها الإدارة الأمريكية مع المليشيات الحوثية.

وأوضح ديفيد شينكر، حينها، أن تركيز بلاده "منصب على إنهاء الحرب في اليمن (...) ونحن نجري محادثات (...) مع الحوثيين لمحاولة إيجاد حل للنزاع متفاوض عليه يكون مقبولاً من الطرفين" وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها مسؤول في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن محادثات مع الحوثيين المواليين لإيران.

لتاتي بعدها التطمينات من الحكومة البريطانية على لسان سفيرها لدى اليمن مايكل آرون، في محاولة لتخفيف انزعاج المملكة الناتج عن الضغوطات الأمريكية التي تجاهلت مخاوف المملكة من التوصل إلى اتفاق سلام في اليمن مع الإبقاء على المليشيات الحوثية وهي في ذروة قوتها على مختلف المستويات.

حيث زعم السفير آرون، في حوار أجرته معه صحيفة «الشرق الأوسط» الصادرة من لندن مطلع نوفمبر الجاري، أنه بإمكان مليشيات الحوثي التي لا زالت تتلقى السلاح والدعم الإيراني حتى اللحظة أن تعلن فك ارتباطها بإيران والدخول في علاقة ودّية مع السعودية، وهو ما يعود بالفائدة لليمن بعد أن حوّلتها إلى أسوأ أزمة في العالم سعياً لتحقيق مشروعها العنصري العابر للحدود والذي بدأته قبل أكثر من عقد بإشراف وتمويل من إيران.

ورداً على السؤال "هل تعتقد أنه يمكن فصل الحوثيين عن إيران؟" أجاب السفير آرون: «نعم، أعتقد أنه ينبغي أن ينظر الحوثيون إلى وضعهم في اليمن وبين اليمنيين، وفي شبه الجزيرة العربية إلى جانب جيرانهم؛ وفي مقدمتهم السعودية، وهي الجار الأكبر والأهم.

وفي رده على السؤال: "كيف يمكن للحوثيين التخلي عن إيران؟ يجيب آرون: «أعتقد أن علاقة الحوثيين بالسعودية كانت جيدة عبر التاريخ. كانت علاقتهم جيدة في الماضي، ويمكن أن تصبح جيدة مرة أخرى. ونعتقد أن ذلك سيصب في مصلحة اليمن والحوثيين والسعودية. وإن أصبحت هذه العلاقة جيدة، فلماذا يحتاج الحوثيون إيران؟".

ورداً على السؤال، ماذا عن التوجه الآيديولوجي للحوثيين؟ أجاب السفير بقوله: «نعم... لكن أعتقد أن هذا أمر جديد. لا أعتقد أن العلاقة الدينية كانت قوية تاريخياً. وهذه الأشياء تتغيّر»، وهنا أورد السفير مغالطات كبرى وفاضحة، بقولة أن التوجّه العقدي جديد على الحوثيين متغافلًا أن العديد من قيادات الجماعة المتسلسلة في الأسرة التي تتكون منها مليشيا الحوثي نشأت وتعلمت في إيران وعاشت عمرها في نشر الفكر الشيعي الأثنى عشري شمال اليمن تحت غطاء الزيدية، وقتلت تباعًا خدمةً لمخطط الهلال الشيعي في المنطقة، كما أن الكثير من الأسر التي تدعي بأنها هاشمية وهي الأسر التي تعتمد عليها عصابة الحوثي في السيطرة على اليمن، تعود أصولها إلى إيران وهو ما ينفي إمكانية حدوث الطلاق بينهما، وأن ترويج هذا الرأي من قبيل بيع الوهم.

كما أن أمنيات ونصائح السفير البريطاني آرون، للسعودية والحوثيين في معرض رده على أسئلة الحوار، والتي تمثّل سياسة الحكومة البريطانية التي يتهمها اليمنيون بالتعاون مع مليشيا الحوثي والسعي للإبقاء عليها لخدمة مصالحها في المنطقة، جاءت في ذات الوقت الذي تحدث فيه عن الدور السلبي الذي تلعبه إيران في اليمن واستمرارها في تزويد الحوثيين بالسلاح، وهو ما يعني استمرار الحرب واستمرارها في قصف المنشآت الحيوية السعودية وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، حيث قال: "نحن في المملكة المتحدة، نرى أن دور إيران في اليمن غير مناسب. يلعبون دوراً سلبياً، ويزوّدون الحوثيين بالأسلحة، ما يُطيل أمد النزاع. نود أن نرى نهاية الدعم العسكري الإيراني للحوثيين، لتسهيل إنهاء النزاع".

وتأتي تصريحات السفير البريطاني في سياق الضغوط الدولية على السعودية للتشاور مع الحوثيين، بحجة الإسراع في إنهاء الحرب، وإن كانت هذه الخطوة لا تصب في مصلحة اليمن ولا المملكة، كون المليشيات الحوثية هي أحد أهم الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية، وسبق وأن نقضت مئات الاتفاقات، بل كانت تتخذها فرصة لاستعداد لحروب أخرى ومن ثم التوسّع عسكرياً في المناطق اليمنية.

ومن جانبه، أكد وزير الدولة للشؤون الخارجية وعضو مجلس الوزراء السعودي، عادل الجبير، في مقابلة مع صحفية ليبراسيون الفرنسية يوم الخميس 24 أكتوبر الماضي، أن المملكة ضد أي شكل من أشكال الحوار مع إيران، مؤكداً "أن ممارسة الضغوط على إيران هي السبيل الوحيد لدفعها إلى طاولة التفاوض".

وأضاف الجبير: "إنه في كل مرة نحاول التواصل مع إيران يكون ردها الموت والدمار، ولا نعرف ما إذا كانت إيران ثورة أم دولة وعليها أن تعمل كدولة وسياسة الاسترضاء لا تنفع معها".. مشيراً إلى أن "العالم لن يسمح لإيران بالتصرف على النحو العدواني ونريد تغير سلوكها".

وما قاله "الجبير" هو ما أكدته الحكومة اليمنية مراراً، بأن الوضع الإنساني في اليمن يتطلب وقفة جادة من المجتمع الدولي لممارسة المزيد من الضغط على ايران لوقف تدخلاتها في اليمن والتوقف عن دعم الحوثيين لقتل اليمنيين وتجويعهم، واستهداف الأراضي السعودية وخطوط التجارة العالمية.

وحول الأسباب التي تقف وراء محاولات بعض الدول دفع السعودية إلى الحوار مع مليشيات الحوثي في هذه التوقيت، يقول المحلل السياسي اليمني ياسر العمري (اسم مستعار بطلب منه كونه بمناطق سيطرة الحوثيين)، إنه "باعتقاد هذه الدول التفاهم مع الحركة الحوثية سياسياً وإقناعها بحل وسط، إلا أنها لا تدرك أن جماعة الحوثي عقدية سلالية متطرّفة تدعي التفوق العنصري وأحقيتها بحكم الشعب وفقاً لنظرية الاصطفاء الإلهي".. مضيفاً: "ومع ذلك فالدول الكبرى يهمها مصالحها فقط، وحتى لا يعنيها الأزمة الإنسانية في اليمن التي تتخذها ذريعة لفرض حلول لا تنهي هذه المعاناة، بل تؤسس لحروب مستقبلية طويلة الأمد ويصعب احتوائها".

وعن الموقف البريطاني خصوصاً، قال العمري، إن "تصريحات السفير البريطاني لدى اليمن مخادعة ولا تنم عن جهل بكينونة مليشيات الحوثي ومخاطرها على أمن اليمن والمنطقة والعالم، وإنما تأتي انطلاقاً من السياسية البريطانية التاريخية التي تدعم الجماعات ذات الميول العنيفة بهدف التحكم من خلالها بأوضاع البلدان التي تتواجد فيها".. مشيراً إلى الدعم البريطاني للإمامة في اليمن والتي تعد المليشيات الحوثية امتداداً فكرياً لها.

وأكد العمري، أن السلام في اليمن والمنطقة لا يمكن إلا من خلال إضعاف المليشيات الحوثية عسكرياً، ومن ثم انتزاع سلاحها وقبولها بأن تكون جزءا من الشعب اليمني لا عنصراً مميزاً كما تدعي، وضمان عدم تلقيها أسلحة وأموال من النظام الإيراني مجدداً".. مشيراً إلى أن "السر في قوّة المليشيات الحوثية وخطورتها هو الدعم والسلاح الإيراني، فقبل أن تتلقى هذا الدعم لم تكن بذات الخطورة، ولم تتوسع أفكارها المتطرّفة كما حصل في العقد الأخير".

وأضاف بأن "ما يقوم به السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون، هو ترويج ودعم التحركات الفاشلة التي يجريها المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، وهو بريطاني الجنسية، والتي ثبت أنها تخدم المليشيات الحوثية والمصالح البريطانية، وآخرها محاولته إجراء مفاوضات شاملة بين الحكومة الشرعية والمليشيا الحوثية في حين لم يتمكن خلال عام من تحقيق أي تقدم بشأن "اتفاق السويد" والذي يختص بثلاثة ملفات بسيطة فكيف يمكنه إطلاق مشاورات لملف الأزمة بالكامل.

وأشار إلى أن إيران وبعض الدول المعنية بالملف اليمني تلعب على عامل الوقت، وتحاول إفشال المملكة العربية السعودية في اليمن، لصالح مليشيات الحوثي الانقلابية، ولكن على حساب معاناة الشعب اليمني ومقدرات البلاد".

من جانبه، حذّر الباحث اليمني وهيب ناصر (اسم مستعار بطلب منه كونه بمناطق سيطرة الحوثيين)، من خطورة تمرير فكرة إمكانية فصل مليشيات الحوثي عن إيران بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت، مؤكدًا أنه "إن رضخت السعودية والحكومة اليمنية لهذه الضغوط فسيكتشفون لاحقاً أنهم قدموا أكبر خدمة لإيران في المنطقة، مشيراً إلى المبادرات الحوثية الأخيرة للتقارب مع المملكة والتي جاءت بإيعاز من إيران التي أرسلت هي الأخرى رسائل تطمين للمملكة في وقت لاحق.

وأكد أن التحالف بين المليشيات الحوثية ونظام الملالي في طهران، ارتباط جذري عقائدي وعرقي ولا يمكن لأي مؤثر خارجي أن يزعزعه، لافتاً إلى أن الجماعة الحوثية حولّت المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى حوزات إيرانية تنظم فيها كل المناسبات الدينية الشيعية، وبصورة أشد تطرفاً وتعصباً من المليشيا والأذرع الإيرانية في المنطقة، ناهيك عن تطور هذه العلاقات وصولاً إلى تعيين سفيراً دائماً لها في طهران، وهو ما لم تقوم به أي من أذرع إيران الأخرى حول العالم.

وأضاف الباحث وهيب، في حديث خاص "أن محاولات فرض حلول آنية في اليمن لا تعالج أصل المشكلة ما هي إلى تلبية لرغبة المليشيات الحوثية التي هي بأمس الحاجة لاستراحة قصيرة لمقاتليها الذين أرهقتم الحرب المتواصلة لمدة خمس سنوات، وكذا ترتيب أوضاعها الإدارية وتعزيز حاضنتها الشعبية من خلال تعميق أفكارها في أوساط المجتمع بمناطق سيطرتها، والتفرغ لتوسيع الخلافات في صف الحكومة الشرعة والمكونات المحلية الداعمة لها.

وأشار إلى "ان هدف الحوثي هو التربع على العرش لحكم جزيرة العرب، وهو العرض الذي لا يمكن لأي دولة في العالم أن تقدمه غير إيران التي قدّمت له الدعم السخي طيلة العقدين الأخيرين وشمل مختلف المجالات (التعليم، والتدريب، والتأهيل، والتسليح) والذي تزايد ولا يزال بشكل لم يحصل عليه أي كيان من وكلائها في المنطقة العربية".

وتساءل ناصر، ساخراً: "هل يمكن أن تضع المليشيات الحوثية أحلامها التي ترى أنها على مقربة من تحقيقها إرضاءً لرغبة بريطانيا أو السعودية؟ وإن افترضنا ذلك، فما هو حجم العرض الذي يمكن يقدم لها من قبلهم أمام حجم أحلامها؟ وهل يمكن أن توكل إيران آمالها وطموحاتها وتقدم هذا الحجم من الدعم والخبرات والجهود على أداة قد تتخلى عنها في يوم من الأيام لمجرد حصولها على عرض كهذا؟".

وقالت مصادر محلية "إن الحوثيين يخاطبون المواطنين في مناطق سيطرتهم مزاعم انتصارهم على القوات الحكومية والتحالف الداعم لها بقيادة السعودية، ويبثون الروح المعنوية في أوساط أنصارهم بأن لديهم القدرة على اجتياح المملكة العربية السعودية وهزيمتها خلال أيام، وأنه لا يمكن لأي قوّة على الأرض أن توقفها حتى أمريكا".. مشيرةً إلى أنها "تستغل المساعي الدولية لفرض حلول تصب في صالحها للترويج لها على إنها إقرار بالهزيمة أمام مقاتليها على الأرض، وتعدهم بالمزيد من المعارك والانتصارات التي تزعم أن الله يؤيد قيادات الجماعة كونها من سلالة نبيه وتعمل لإعادة حكمه في جزيرة العرب.

ويرى مراقبون بأنه في حال تم الاتفاق الذي تفرضه هذه الدول بهدف إيقاف الحرب في اليمن، فإن الحوثيين قد يتظاهرون بفك ارتباطهم مع إيران، وقد يلتزمون بعدم استهداف الحدود السعودية استجابة للضغط الدولي، لكنهم سيقومون كمرحلة ثانية بدعم الجماعات الشيعية المتواجدة في الدول المحيطة باليمن بالسلاح والخبرات والعناصر المقاتلة لإثارة الحروب فيها على غرار ما يقوم به "حزب الله" اللبناني في سوريا والعراق.. مؤكدين أن المليشيات الحوثية ستعمل على إقحام المملكة في حرب على الحدود، وحينها سيأتي المجتمع الدولي ليطالب بحقوق الاقليات الشيعية في السعودية وفي دول الخليج الأخرى التي ستكون استلهمت فكرة التمرّد وفرض إرادتها بقوة السلاح كما فعل الحوثيون وغيرهم من قبل.

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص