مقالات الرأي
الشراكة الاستراتيجية مع السعودية أم الغرق في مستنقع المحور الإيراني؟
منذ شهر
أشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في أكثر من مناسبة إلى أن العلاقات اليمنية السعودية دخلت مؤخرا إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية المثمرة.
في السابق، كانت العلاقة بين الدولتين تقدم بوصفها علاقة جوار وتنسيق ومساندة، ولم تبخل الشقيقة السعودية بالدعم والمساعدات لليمن الذي يعاني من أزمات معقدة ومزمنة ومتراكمة منذ فترات طويلة. ومع اتساع رقعة الحرب بعد سطو الحوثيين على العاصمة صنعاء وذهابهم جنوبا وشرقا، وقفت المملكة موقفا حازما ومشرفا إلى جانب اليمنيين عسكريا وسياسيا استجابة لطلب الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي (رحمه الله)، دفاعا عن الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية.
أما اليوم فقد دخلت العلاقات اليمنية السعودية مرحلة أكثر عمقا واتساعا بحسب ما جاء على لسان رئيس الجمهورية. ولم تعد علاقة البلدين تقتصر على الدعم والمساندة، بل أصبحت تقوم على مفهوم الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد في مجالات الاقتصاد والبنية التحتية والطاقة والموانئ والتعليم والصحة والأمن الإقليمي وغيرها من المجالات الحيوية التي تمس حاضر اليمن ومستقبله.
قبل أيام ظهر نائب المجلس القيادي سالم الخمبشي مع الزميل المتمكن أسامة عادل على منصة يمن بودكاست، مؤكدا أن الحكومة، وبدعم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، تعمل على حل مشكلة الكهرباء في الوقت الحالي عن طريق توفير محطات إسعافية وإنشاء محطات استراتيجية تعتمد على النفط والغاز، إضافة إلى وجود تفاهمات مع السعودية للربط الكهربائي عبر منفذ الوديعة.
وفي السياق ذاته، وقعت الحكومة اليمنية، قبل أيام، اتفاقية الدعم السعودي لتوريد المشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار لتشغيل محطات الكهرباء في مختلف المحافظات بهدف التخفيف من معاناة اليمنيين الناتجة عن انقطاعات التيار الكهربائي.
استمرت المملكة لسنوات طويلة تقدم المساعدات لليمنيين بشكل مباشر وغير مباشر وبواسطة المنظمات الدولية الوسيطة. وإلى جانب ذلك، أسست البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن عام 2018 تحت إشراف مباشر من سفير المملكة في اليمن محمد بن سعيد آل جابر، وهي خطوة جادة تهدف إلى التخفيف من وطأة الحرب على التنمية في البلاد بعدما أكدت التقارير الدولية تعرض المكاسب التنموية القديمة في اليمن إلى انتكاسة حادة وانهيار على كافة الأصعدة جراء الحرب التي أشعلتها جماعة الحوثي، وهو ما أعاد اليمن إلى الوراء عشرات السنوات (تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 23 أبريل 2019).
في المقابل، ماذا يقدم لنا النظام الإيراني؟
تكرر هذا السؤال كثيرا، والإجابة في كل مرة لا تروق لمن يستمد قوته من الشعارات العاطفية التي يخدع بها عامة الناس.
يدفع اليمن كل يوم ثمنا باهظا جراء ربطه بالمشروع الخميني وطموحاته في السيطرة على المنطقة. وبدلا من توجيه الجهود نحو خدمة اليمن واليمنيين واستعادة مؤسسات الدولة وتحسين الأوضاع المعيشية وإيجاد حلول للأوضاع الاقتصادية، يقوم الحوثيون بإقحام الشعب اليمني لخدمة أجندات تتجاوز حدوده وأولوياته وطموحاته بل واحتياجاته الأساسية.
اليوم، يقول الحوثيون إنهم جزء من "محور الجهاد والمقاومة" التابع للنظام الخميني بعد سنوات طويلة من الإنكار والكذب. هذا النظام الذي تسبب في عزل الشعب الإيراني عن العالم حوالي نصف قرن، وها هي جماعة الحوثي تسير على خطى هذا النظام البائس، وتصر على عزل اليمنيين عن العالم تدريجيا لولا تدخل الأشقاء العرب الذين يحرصون على إيجاد متنفس يمد اليمنيين بالحياة أمام محاولات الحوثيين الساعية إلى سجن اليمنيين في قُمقم "قم" وخرافات "الولاية" العنصرية.
وكل ما سبق يؤكد أن المسألة ليست مجرد اختيار بين حليف عربي مجاور لك وتربطك به حدود واسعة، ودولة أخرى بعيدة تريد الهيمنة على دول المنطقة، بل بين مشروعين مختلفين تماما.. الأول يسعى إلى بناء الدولة اليمنية ودعم التنمية وربط البلد بمحيطه الطبيعي العربي، وهذا يحقق استقرارا لمنطقة شبه الجزيرة العربية كلها، والثاني مشروع مكروه ومعزول وفاشل منذ نصف قرن والارتباط به يعني تحويل المستقبل اليمني إلى صراعات مفتوحة لا تنتهي، وتنعكس بشكل مباشر على وضعه الاقتصادي والمعيشي والأمني كما هو الحال الآن.
وأمام هاذين المسارين أو الخيارين، نجد أن الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية التي يشير إليها رئيس الجمهورية الدكتور رشاد العليمي فرصة تاريخية ينبغي استثمارها بما يخدم مصالح اليمنيين ويعيد لليمن مكانته واستقراره، ويضمن أمن وسلامة جيراننا في دول شبه الجزيرة. كما أن أي اهتزاز في العلاقة بين البلدين تضر بمصلحة اليمن واليمنيين وهو ما حدث في أزمة الخليج نهاية القرن الماضي. ولهذا يؤكد قادة بلادنا اليوم على أهمية تعميق العلاقة وتوحيد المواقف على أساس تعزيز المصالح المشتركة وتفويت الفرصة على من يعملون على إثارة الخلافات بين الشعبين وقيادة البلدين.
في السياق، يصف الحوثيون الحكومة اليمنية بـ "العميلة" لمجرد تلقيها دعما من السعودية التي تقف إلى جانب اليمنيين اقتصاديا وتساندهم عسكريا، بينما لا يطبقون المعيار نفسه على علاقتهم العضوية والتبعية المطلقة للمشروع الإيراني، وهو الأمر الذي يجعل اليمن واليمنيين يدفعون أثمانا كبيرة بسبب هذه التبعية.
هل مجرد التعاون مع دول خارجية يعتبر "عمالة"؟ إذا كان الأمر كذلك فإن الجميع يمكن اتهامهم بالعمالة. أما إن كان معيار القياس هو السؤال: هل تستخدم العلاقة الخارجية والدعم الخارجي لخدمة مصلحة اليمن واليمنيين أم لخدمة أجندة خارجية؟
إن العلاقات بين الدول يجب أن تكون قائمة على أساس المصالح المشتركة، وهذه هي علاقة اليمن بالمملكة العربية السعودية. لكن ما المصلحة التي حصلنا عليها كيمنيين من النظام الإيراني؟
قطعا، لا مصالح تُذكر.. بل العكس. فسلاح وأموال وإعلام النظام الإيراني المقدم للحوثيين تسبب في إشعال حروب منذ أكثر من ثلاثة عقود أنتجت أسوأ أزمة إنسانية في العالم كما وصفتها المؤسسات الدولية قبل سنوات. والأمر لن يتوقف هنا. استمرار الحوثيين في اختطاف اليمن لصالح المشروع الإيراني يعني تحويل مستقبل اليمنيين إلى جحيم.
شارك: