"السيد" يطلق على معانٍ عديدة، ولا توجد سيادة سلالية..
ومعاني "السيد" كلها ترجع إلى أربعة معانٍ رئيسة:
1- المالك ، وضده العبد ، فيقال هذا سيد هذا العبد: أي آمره ومالكه، وهذا يمكن مراجعته في معاجم اللغة كلها في مادة "سَوَدَ"، وانظر لسان العرب لابن منظور (3/2145).
2- الزعيم والمقدم والوجيه والرئيس والآمر، وفي الحديث المتفق عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار عندما رأى سعد بن معاذ :" قوموا إلى سيدكم " (البخاري 2550) ومسلم 1768 ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه يوم القيامة :" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" أخرجه مسلم في صحيحه 2278، وابن ماجه 4308 وأحمد في المسند 16 ، والنبي صلى الله عليه وسلم زعيم العالم يوم القيامة ، وأجلُّ المخلوقات دنيا وأخرى .
وكما في قولهم " سيد القراء أبي بن كعب " أي مُقدَّمُهُم .
وقال الفراء: "السيد السخي"، قلتُ: (عبدالجبار): السخي يسود قومه ويتقدمهم، فهو راجعٌ إلى معنى المقدم والوجيه، فعبر بالملزوم عن اللازم، وله نظائر في اللغة والشرع.
وينظر لسان العرب (3/2145) مادة "سود".
3-الزوج، كما في قوله تعالى في سورة يوسف 25:" وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ " أي زوجها، وهذا المعنى راجعٌ أيضاً إلى معنى المطاع والآمر، وإنما أفردناهُ لاستعمال القرآن له استعمالاً خاصاً.
4- التقي العفيف الحليم، كما هو تفسير كثير من السلف لقوله تعالى في وصف يحيى بن زكريا عليهما السلام :" وسيداً وحصوراً " وينظر في ذلك: كتب التفسير المسندة كتفسير الطبري ، وينظر كتاب" الدر المنثور " للسيوطي من المتأخرين، في تفسير الآية رقم 39 من سورة آل عمران.
وينظر تهذيب اللغة للأزهري (13/35)، ولسان العرب (3/2145).
* أما قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في البخاري 2704- للحسن بن علي رضي الله عنهما " إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين " فقد خصه بالسيادة لأنه سيد قومه والمطاع فيهم، ورزقه الله الحلم والصبر والقدرة على الصلح، ولم يتحقق ذاك الصلح إلا بتنازله عن الحكم ، ولم يذكر السيادة للحسين رضي الله عنه في مثل هذا الموضع، مع أنه سيدٌ مطاعٌ ووجيهٌ..
ولا يُعرَف عن علماء الأمة العظام في الأزمان الفاضلة أن أحدهم استدل بهذا الحديث لإطلاق لفظ "السيد" على سلالة الحسن والحسين رضي الله عنهما، ولا فهم أحدٌ منهم هذا الفهم.
*وأما قول الأزهري في تهذيب اللغة (13/35):
إن من معاني السيد "الشريف"..
فله وجهان:
الأول: هو الذي له حَسَبٌ بالآباء أي له آباءٌ ماجدون..
فإنه مع وجود الأسر الشريفة في قبائل العرب وهي كثيرة قبل الإسلام وبعده، فلم تطلق العرب هذا اللفظ على سلالة أحدٍ لقباً دائماً، ولا اشتهر في الشرع أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أيام صحابته ولا تابعيهم ولا تابعي تابعيهم عن أحد، ولا جاء به الشرع ولا أقرّهُ ولا قالَهُ.
حتى دخلت رسوم العجم فيما بعدُ فانتشر!!
والوجه الثاني: الشريف بمعنى الوجيه المطاع، فالشرف هو الوجاهة، وهو من استعمالات العرب الرائجة، وقد ذكرناه في الإطلاق الثاني، وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:" ما ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" أخرجه الترمذي(2376)، وقال: حسن صحيح، وأحمد (16025)، وغيرهما.
وهناك إطلاقات فرعية أخرى لدى السلف، منها الفقيه والعالم وصاحب الأخلاق الحسنة (ينظر في جمعها الدر المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى:"وسيداً وحصوراً" (3/531)، وكلها لوازم للوجاهة وهي مذكورة في الإطلاق الثاني..
**لكن لا توجد سيادة سلالية، أي لا يوجد إطلاق لفظ "السيد" على شخص لكونه من سلالة معينة، لا في شرع الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا في استعمال العرب الأقحاح (قبل دخول رسوم العجم، ورواجها في الكتب).
هذا إذا أغفلنا الكلام عن ضخامة الدعاوى في الانتساب إلى البيت النبوي على صاحبه الصلاة والسلام، وإلا فأهل الإنصاف متشوفون كذلك إلى معرفة حقائق الأمور فيه.
والله المستعان، وبه التوفيق.