قال الباحث والكاتب همدان العليي إن الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية للقطاع التنموي في اليمن يمثل تحولاً مهماً نحو استعادة مسار التنمية بعيداً عن الإغاثة الاستهلاكية، مؤكداً أن هذا التوجه يسهم في مساعدة اليمنيين على التخلص من ما وصفه بـ"اقتصاد السلة الغذائية" الذي فرضته الحرب خلال السنوات الماضية.
وأوضح العليي، في مقال نشره على صفحته في منصة "إكس"، أن المملكة "تدعم من جديد القطاع التنموي في اليمن، بعد موقف سياسي وعسكري حافظت فيه على المركز القانوني للجمهورية اليمنية ووحدة أراضيها التي تعرضت للتهديد المباشر مؤخراً"، مشيراً إلى أن تناول هذا الدعم لا يأتي من باب المجاملة، بل من باب الإشادة بجهد يمس حياة الناس واحتياجاتهم الأساسية.
وأضاف أن الدعم السعودي يركز على "دعم المستشفى والمدرسة والطريق والطاقة، وهي خدمات حيوية تراجعت كثيراً جراء الحرب"، لافتاً إلى أن هذا النوع من الدعم يخدم ملايين اليمنيين ولهذا فهو يستحق التقدير. وبين أن الفارق جوهري بين الإغاثة التي تكتفي بإطعام الناس دون تغيير واقعهم الصعب، وبين التنمية التي "تنقل الناس من مستوى إلى آخر أكثر استقراراً وقدرة على تلقي حقوقهم الأساسية"، مؤكداً أن تشييد وترميم وتعزيز البنى التحتية والمؤسسات الخدمية ليست ترفاً في بلد منهك بالحرب، بل شرطاً أساسياً لإنقاذ المجتمع والدولة.
وأشار العليي إلى أن مسار الدعم يعيد توزيع الإمكانيات المؤسسية والخدمية بعيداً عن مركزية العاصمة التاريخية صنعاء، من خلال دعم أو إنشاء مؤسسات حيوية في عدن وحضرموت ومأرب والمهرة وسقطرى. ولفت إلى أن هذه المحافظات تمثل أكثر من 62% من مساحة اليمن ويقطنها نحو 13 مليون نسمة، وفق تقرير للبنك الدولي صدر عام 2022، معتبراً أن التركيز على هذه المساحة الجغرافية يحمل رسالة غير مباشرة مفادها أن الاستقرار وتواجد الدولة المعترف بها دولياً، والتي تمثل كل اليمنيين، شرط أساسي لأي دعم وإسناد.
وفي السياق ذاته، أكد العليي أن أغلب المشاريع تستهدف بناء رأس مال بشري متخصص بعد انتكاسة خطيرة أصابت جميع القطاعات خلال الحرب، وهو ما تناوله بتوسع في كتابه "الجريمة المركبة.. أصول التجويع العنصري في اليمن". واستشهد بتقرير لمنظمة الصحة العالمية لعام 2023، أشار إلى أن اليمن يمتلك فقط 10 أطباء لكل 10 آلاف شخص مقارنة بمتوسط 24 طبيباً في المنطقة، موضحاً أن إنشاء كليات طبية وتشغيل المستشفيات وترميمها ودعمها لا يمثل مجرد تحسين للخدمات الصحية، بل خطوة أساسية لإعادة بناء قدرات مهنية فقدت خلال الحرب، وهو ما ينطبق على بقية القطاعات المدعومة.
كما أوضح العليي أن دعم المؤسسات الحكومية المعنية بتقديم الكهرباء والمياه والصحة والتعليم يسهم في تقليل آثار ما يسمى "اقتصاد الحرب"، الذي يستنزف ملايين اليمنيين، مشيراً إلى تقرير أممي صدر عام 2021 أفاد بأن نحو 45% من اليمنيين يضطرون للتعامل مع أسواق موازية نشأت أثناء الحرب للحصول على الكهرباء وبقية أشكال الطاقة، إضافة إلى الدواء والمياه، وهي أسواق تقوم على الاحتكار واستغلال غياب خدمات الدولة، وتحرم ملايين الفقراء من الوصول إلى هذه الخدمات.
وأضاف أن دعم المشاريع في هذه القطاعات الحيوية يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة داخل المناطق المستهدفة، إذ تحتاج المستشفيات والكليات والطرقات ومحطات الطاقة والمياه إلى مهندسين وأطباء ومدرسين وخبراء وفنيين وعمال وإداريين وسائقين، فضلاً عن دورها في تنشيط الحركة التجارية والنقل ولو في نطاقات محدودة. كما يسهم تفعيل أداء المؤسسات الخدمية وتعزيز بنيتها التحتية في رفع الشعور لدى المواطنين بأن الدولة حاضرة وتعمل، بما يساعدهم على استعادة الأمل، وهي مسألة معنوية ونفسية بالغة الأهمية في بلد شبه مدمر بفعل الحرب والفوضى.
وختم العليي بالتأكيد على أن هذا النوع من الدعم يقلل الاعتماد على المنظمات الدولية التي توقفت عند المساعدات الإغاثية وتجاهلت الضرورة التنموية، بل وصل بها الأمر إلى استغلال وظيفتها الإنسانية لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية لصالح الحوثيين، كما حدث في ملف الحديدة بذريعة "الوضع الإنساني". وشدد على أن الدعم التنموي السعودي يساعد اليمنيين على الخروج من "اقتصاد السلة الغذائية" ويفتح نافذة حقيقية للنهوض الاقتصادي، بما يسهم في صناعة الاستقرار في المناطق المحررة.
