"بالبرهان".. رحلة توثيقية في جذور الفكر الإمامي تكسر هالة القداسة الكهنوتية بين الماضي والحاضر

الساعة 03:43 صباحاً (نبيل صلاح - يمن ميديا)

لم يكن "بالبرهان" مجرد برنامجٍ يستعرض جرائم الحوثية أو سلوكها السياسي وممارساتها الإجرامية، بل رحلة بحثية معمقة توغلت في الفكر الإمامي منذ نشأته، واستخرجت جذوره من بطون الكتب، وقارنتها بواقع اليوم، لتبرهن أن هذه العصابة ليست سوى امتداد لنفس المنهج الإمامي الذي حكم اليمن في فترات تاريخية متقطعة بالخرافة والاستبداد العنصري.

على مدار ثلاثين حلقة، عرض البرنامج، الذي بُث على قناة اليمن اليوم الفضائية طوال شهر رمضان، تفكيكاً دقيقاً للمشروع الإمامي عبر التاريخ، وقدم وثائق وأدلة من كتب الأئمة أنفسهم وممارساتهم من إبراهيم الجزار مرورا بمؤسس الهادوية يحيى بن الحسين طباطبا الرسي وحتى عبدالله بن حمزة ومن تبعهم من قادة الإجرام السلالي وصولاً للحوثي، مدعمة بالمشاهد البصرية الحية لخطاب وأفعال الحوثيين اليوم، ليكشف كيف ظل هذا المشروع قائماً على التزييف، والاستعلاء العرقي، ومحاولة إخضاع المجتمع بعقيدة عنصرية فاسدة وادعاءات لا أساس لها لا في العقل ولا النقل.

الإعلامي المخضرم عبدالله إسماعيل، رئيس مؤسسة بالمسند، الذي حمل على عاتقه استنهاض الوعي بالخطر الإمامي ومواجهة العنصرية السلالية، قدّم حلقات البرنامج بأسلوبه المباشر، فيما شارك في كتابتها وإعدادها الصحفي نبيل صلاح، ليخرج البرنامج بمحتوى تحليلي متكامل، يستند إلى التوثيق التاريخي، ويغوص في تأويلات الإمامة الباطنية للنصوص الدينية، ويفضح المرويات المختلقة التي تخدم فكرة الاصطفاء العنصري. عزّزنا السرد بالمادة البصرية من الخطاب الحوثي والممارسة، لتأتي كل حلقة في حدود 15 دقيقة، مكثفة بالمعلومات، بالأدلة، بما يجعل من "بالبرهان" مرجعاً فكرياً وإعلامياً لفهم المشروع الحوثي ومواجهته بالوعي والمعرفة.

يقول الإعلامي عبدالله اسماعيل إن "بالبرهان لم يكن مجرد كشف للحقيقة، بل فضح كامل للبنية الفكرية التي يستند إليها المشروع الحوثي، بالأدلة والبراهين، من كتبهم ومن ممارساتهم اليومية. الحوثية اليوم ليست سوى نسخة محدثة من كهنوت الماضي، لكنها تواجه نفس المصير: العزلة والرفض الشعبي، لأنها نقيض الهوية اليمنية والحضارية".

ركز البرنامج على هدم القداسة المصطنعة التي حاولت الإمامة ترسيخها حول رموزها، وحول أفكارهم المقدسة التي استُخدمت كأدوات للتسلط والإكراه. إحدى الركائز المهمة التي تناولها البرنامج كانت فكرة العنصرية الإمامية، وكيف حاولت الإمامة عبر تاريخها أن تعزل نفسها عن المجتمع اليمني، ليس فقط فكرياً، بل أيضاً ثقافياً واجتماعياً.

وناقش البرنامج كيف كانت الإمامة تعتقد في نفسها كطبقة فوقية، تُعلي من شأنها وتعتبر نفسها نسيجاً مختلفاً عن باقي الشعب اليمني. الحوثيون اليوم، كما أظهر البرنامج، يعيدون إنتاج هذه الفكرة العنصرية، ويضعون أنفسهم في موقف الإقصاء والاستعلاء العرقي، مما يعمق الهوة بين مشروعهم وبين المجتمع اليمني.

منذ الحلقات الأولى، تناول البرنامج التأويل الباطني للنصوص، وكيف لجأ الأئمة عبر العصور إلى تحريف المفاهيم الدينية، لتبرير فكرة الحق الإلهي الحصري بالحكم. ومن هناك، انتقل إلى أساليب الإمامة في التغرير بالمجتمع، وافتعال المظلومية، وتزوير التاريخ، والقذف والإساءة التاريخية لليمنيين، وهي نفس الأساليب التي يعيد الحوثيون اليوم إنتاجها بغطاء حديث مستندين لهذا الموروث الفاسد.

الشعوذة والتجهيل المتعمد، والتهجير القسري والتجريف الديمغرافي، نهب الأموال، وإفقار وتجويع المجتمع، الكراهية والتضليل في الخطاب الإعلامي، كلها محاور ناقشها البرنامج بالأدلة، ليكشف كيف أن هذا المشروع لم يكن يوماً يحمل أي بُعد وطني، بل ظل دائماً أداة لفرض الطاعة المطلقة، ونشر ثقافة القبورية، وقمع أي فكر يعارضه.

أبرز البرنامج كيف أن العنف والإرهاب لم يكونا مجرد أدوات عارضة في الفكر الإمامي، بل جزء من عقيدته، حيث استعرض كيف رسّخ الأئمة خطاب التكفير والعداء لكل من يرفض الخضوع لهم، وهو ما تعكسه ممارسات الحوثية اليوم، سواء في خطابهم الديني المتطرف، أو تحريضهم السياسي والتعبوي ضد المجتمع اليمني.

كما لم يغفل البرنامج عن كشف أكذوبة السيادة الوطنية، حيث وثّق بالأدلة الارتباط العضوي بين الإمامة تاريخياً والقوى الخارجية، وكيف كانت دوماً تخدم أجندات غير يمنية، وهو ما يتكرر اليوم من خلال تبعية عصابة الحوثي المطلقة لإيران.

ما يميز "بالبرهان" ليس فقط تفكيكه النقدي العميق، بل اعتماده على الحقائق التاريخية والمشاهد الحية، وربطه الممنهج بين الماضي والحاضر، ليؤكد أن الإمامة لم تندثر، بل تحاول إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة، لكنها تظل عاجزة عن تغيير جوهرها العنصري والإقصائي. 

وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور البارز الذي تلعبه قناة اليمن اليوم الفضائية وإدارتها في معركة الوعي، إذ حرصت، ضمن تغطيتها الإعلامية، على إفراد مساحة مهمة لمواجهة الخطاب العدائي الذي تبثه ميليشيات الحوثي وإعلامها المضلل. ويأتي "بالبرهان" كجزء من هذا الجهد الإعلامي المسؤول، المنحاز لقضايا الوطن والمجتمع، فكل التحية والتقدير لهم على هذا الدور الريادي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
الأكثر قراءة
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر